Arabic News

الوجه القبيح للإرهاب الطائفي يحتدم في باكستان

صورة تعبيرية

نيودلهي: الدكتور حفيظ الرحمن 

إن التفجيرات الانتحارية المروعة التي وقعت مؤخرًا في باكستان، يوم الجمعة، في موكب المولد النبوي وفي أحد المساجد في منطقة بلوشستان ليست جديدة. ومن المؤسف أنه أصبح من الشائع أن يستهدف المتشددون الصوفيين السنة، والبريلويين، والشيعة المعتدلين والتقليديين في مواكب العزاء، حيث تتعرض الأضرحة والمساجد الصوفية لهجمات إرهابية من قبل الجماعات المتطرفة ذات الأيديولوجيات الوهابية-السلفية والجماعة الإسلامية المتطرفة. ويعارض هؤلاء المتطرفون الاحتفال بمناسبات مثل ذكرى المولد النبوي والعزاء والعُرس.

والسبب الجذري للتطرف والراديكالية هو تسييس الدين من قبل طوائف معينة. وهذا أمر ملح للغاية أن يتم القضاء على الأيديولوجيات والأدبيات المتشددة المدمِّرة كما فعلت مصر في وقت سابق، وكما تفعل السعودية في ظل قيادة الأمير محمد بن سلمان. ويتعين على باكستان أن تحذو حذوها وتحظر الأدبيات المتطرفة والقوى المتطرفة على الفور، الأمر الذي يودي بحياة العديد من الأشخاص بشكل متكرر.

ولقد حان الوقت للصوفيين السنة والبريلويين والشيعة المعتدلين أن يتِّحدوا ويطالبوا بالعدالة من خلال الدعوة إلى حظر المنظمات المتطرفة ودعايتها. وإن اتخاذ تدابير مماثلة، كما اتخذتها مصر في السابق لمكافحة الأيديولوجية المتطرفة لجماعة الإخوان المسلمين، طال انتظارها.

وأنا فخور بكوني هنديًا وأشيد بتنوعنا الثقافي الغني ومعتقداتنا، ولكنني منزعج من العناصر الهامشية التي تحرِّض على الكراهية والانقسامات التي أدّت إلى بعض حالات الإعدام خارج نطاق القانون والاشتباكات بين  المجتمعات. ولحسن الحظ، لم نشهد في الهند قطُّ أي شخص يستهدف التجمعات والمواكب الدينية بتفجيرات كما يحدث في باكستان. وإن ما يثير تسييسَ الإسلام والتطرف، الذي يدفع الشباب إلى التطرف والراديكالية بشكل كبير، هو الأدبيات المتشددة التي أنتجها الوهابيون/السلفيون، والجماعة الإسلامية، ومؤسسو الإخوان المسلمين ورجال الدين.

والحركات الثلاث المتطرفة، الوهابية لمحمد بن عبد الوهاب النجدي في السعودية؛ والإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا وسيد قطب من مصر؛ والجماعة الإسلامية لمولانا أبي الأعلى المودودي من شبه القارة الهندية، أرسلت موجات مضطربة إلى جميع أنحاء العالم مع تطور الأفكار المتطرفة في سياق الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية الإسلامية. ومع ظهور الوهابية، وجماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية، فإن العالم على أحر من الجمر بسبب التفسيرات الخاطئة للإسلام من قبل الحركات الثلاث في القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين. وكانت المجموعات الثلاث متشددة متعطشة للسلطة لإيقاع الانقسام والدمار بما يتناسب مع طموحاتها.

الوهابية

يمكن إرجاع صعود التطرف في شكل الوهابية إلى منتصف القرن الثامن عشر من خلال تعاليم محمد بن عبد الوهاب (1703–1792م)، عالِم إسلامي عاش في نجد المعروفة حاليًا بالرياض في المملكة العربية السعودية. وكتابه “كتاب التوحيد” كان له تأثير قوي على المسلمين. وتدعو الوهابية إلى تنقية الإسلام، وترفض المذاهب الفقهية الأربعة لأهل السنة والفقه الجعفري للشيعة، والطقوس التقليدية، وفلسفات أفراد عائلة الأنبياء بين المسلمين التي أسسها الصوفيون وعلماء الإسلام منذ أكثر من ألف عام خلال حياة النبي محمد وبعد وفاته لأن الخلافة الإسلامية لم تبق إلا 30 سنة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

واعتبرت الوهابية، منذ بدايتها، المسلمين التقليديين كفارًا ومشركين، الأمر الذي أدّى إلى تبرير أعمال الكراهية والعنف ضد التيار السائد من المسلمين السنة، والصوفية، والشيعة، وغير المسلمين في مختلف أنحاء العالم. ومع اكتشاف النفط، تعززت الوهابية لتحظى بوضع رسمي في المملكة العربية السعودية، حيث تلقت دعمًا ماليًا كاملاً من الحكومة السعودية من خلال عائدات النفط. وكان لها نفوذ في دول مثل قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، ولها أتباع بعدد كبير في اليمن. كما ساهمت بالمساجد والمدارس في شبه القارة الهندية عمومًا في المناطق الفقيرة والمدن البارزة لتزدهر مدرستها الفكرية التي تسمى بالسلفية. ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن ما يقرب من ثمانين بالمئة من المساجد الأمريكية تظهر تأثيرًا وهابيًا، فإن هذا لا يعني أن المسلمين الأمريكيين الآخرين يدعمون ذلك.

وقد حظيت مجموعات، مثل تنظيم القاعدة وداعش، باهتمام عالمي بسبب أعمالها الإرهابية باستخدام الخطاب السلفي لتبرير أفعالها وتجنيد أتباعها.

الإخوان المسلمون

تأسست جماعة “الإخوان المسلمون” في 22 مارس 1928م في مدينة الإسماعيلية بمصر على يد حسن البنا، مدرس وإمام مصري، إلى جانب ستة عمال في شركة قناة السويس. وتبين أنها المنظمة الإسلامية الأكثر نفوذًا في العالم، حيث تمزج بين التعليم الديني والنشاط السياسي وبرامج الرعاية الاجتماعية. وفي حين أن البنا نفسه لم يؤيد العنف بصراحة، إلا أنه شجع التعصب والتسييس لدى بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. وروجت كتبه مثل “الله في العقيدة الإسلامية” وغيره من الكتب للنشاط الإسلامي. وقد أثرت رؤيته للدولة الإسلامية في الأجيال اللاحقة من الإسلاميين الذين آمنوا باستخدام العنف كوسيلة لتحقيق أهدافهم.

وأصبح سيد قطب الذي تأثر بشدة بحسن البنا، كاتب مصري، وعالم إسلامي، وثوري، وشاعر، وعضو بارز في جماعة الإخوان المسلمين، بارزًا في الخمسينيات والستينيات. ولقد أثرت أفكار سيد قطب على العديد من الجماعات المتطرفة، بما فيها تنظيم القاعدة الذي أنشأه أسامة بن لادن، والذي كان وراء هجوم 11 سبتمبر الإرهابي في الولايات المتحدة.

وروّج قطب لمفهوم الجهاد العنيف والعدواني. وأثار كتابه “معالم في الطريق” الإلهام الأيديولوجي لسلسلة من المنظمات الإسلامية العنيفة. ودعا إلى تحول عميق في المجتمعات الإسلامية من خلال الترويج لتفسير صارم للشريعة الإسلامية. وكان يؤمن بالجهاد المسلح ليس فقط ضد الحكام الظالمين، بل أيضًا ضد أولئك الذين اعتبرهم في حالة جاهلية داخل البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وتم إعدامه شنقًا عام 1966م بعد إدانته بالتخطيط لاغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية

لقد أدى الوجود البارز للجماعة الإسلامية في باكستان والهند وبنغلاديش إلى تأجيج نيران الهجمات بالقنابل المستمرة والأعمال الوحشية في شبه القارة الهندية. وتأسست في لاهور، الهند البريطانية في عام 1941م من قبل العالم الإسلامي والفيلسوف الاجتماعي والسياسي، أبي الأعلى المودودي الذي كان يهدف إلى إقامة ديمقراطية دينية لفرض “سيادة الله” على الأرض.

وأدت كتب المودودي مثل “الجهاد في الإسلام”، وتأثير المودودي في سيد قطب إلى تأييد الجهاد المسلح ضد أنظمة مختلفة، بما في ذلك الشيوعية والديمقراطية الليبرالية. ولقد أيَّد وسائلَ العنف لإقامة الحكم الإسلامي، وشدد على الشريعة الإسلامية الصارمة ورفض الحكم العلماني. وشكلت رؤية المودودي الأساسَ للجماعة الإسلامية، التي انقسمت فيما بعد إلى منظمات منفصلة في الهند وباكستان وبنغلاديش. وظهرت مجموعات ذات صلة في كشمير وبريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وأفغانستان وحافظت على علاقات دولية مع الجماعة الإسلامية. وقد ارتبطت الجماعات التابعة للجماعة في كشمير بتطرف الشباب والعنف.

وتم حظر الجماعة الإسلامية في بنغلاديش بسبب تورطها في الإبادة الجماعية والأنشطة الوحشية الأخرى.

وقامت جامعة عليكراه الإسلامية وجامعة هَمْدَرد مؤخرًا بحظر كتُب سيد قطب والمودودي بسبب آرائهما المتطرفة ضد الديمقراطية العلمانية، وتعاليمهما المناهضة للدستور الهندي، وخاصة قوانينه العلمانية.

وفي العصر الحالي، يعد تعزيز التنمية والوئام أمرًا ضروريًا. ويتعين على العلماء في شبه القارة الهندية أن يعملوا على صياغة رواية مضادة للقضاء على الأيديولوجيات المتطرفة، والمساهمة في نهاية المطاف في عالم أكثر سلامًا وتناغمًا. ويجب على المجتمع الإسلامي الهندي أن يحتضن فلسفةَ الدكتور إيه بي جيه عبد الكلام للابتكار والتعليم والتكنولوجيا لإحداث ثورة في الهند، والأيديولوجيةَ السياسية لمولانا أبي الكلام آزاد من أجل الهند الموحدة، حيث يمكن أن يتعايش الناس من مختلف الأديان واللغات والثقافات داخل دولة واحدة، ورؤيةَ السير سيد أحمد خان العظيمة لتعزيز التعليم، أحد مهندسي الهند الحديثة الذي أسّس جامعة عليكراه الإسلامية.

ويمكن النظر إلى مبادرة الأمير محمد بن سلمان آل سعود، لإدانة السلفية وتعزيز الاعتدال، على أنها خطوة ملموسة نحو الإصلاح. وحظرت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بنشاط الجماعات المتطرفة مثل جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية، وجماعة التبليغ، وفروعها، بعد مصر. إنهما تدعمان مشاركة المرأة في القوى العاملة، وتعززان التعليم، وتسهلان حق المرأة في قيادة السيارة، وتحظران جماعة الإخوان المسلمين وروافدها. كما أنهما تنظران إلى الجاذبية الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تحديا لملكياتهما المطلقة.

وتتبنى الجماعة الإسلامية في الهند موقفًا أكثر ليونة مقارنة بنظيرتها في باكستان وكشمير وبنغلاديش، فإنها لا تزال متمسكة بتعاليم المودودي المتشددة. وفي الهند، لا يوجد دليل ملموس يشير إلى أن جماعة التبليغ مناهضة للوطن، ولكن نهجهم التقليدي يبدو بعيدًا عن القرن الحادي والعشرين. وإن الذهاب من باب إلى باب للتشجيع على الصلاة في أماكن مثل القطارات والطائرات والأماكن المفتوحة يمكن أن يسبِّب انزعاجًا لعامة الناس.

وفي الدول الإسلامية الأخرى، تُحظر الجماعات المتطرفة. وتم حظر جماعة التبليغ في إيران وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وروسيا والمملكة العربية السعودية حيث يُنظر إلى وعظها المتشدد على أنه خطر على المجتمع. وفي حين، لا تزال الجماعة الإسلامية نشطة في شبه القارة الهندية، وتواصل إنتاج الأدبيات الراديكالية.

وفي الهند، في هذا الوقت، من المضر مشاركة الأدب من التعاليم الإسلامية، من الحديث الصحيح، مع التفسير العلمي للقرآن الكريم لإنتاج أدبيات تعزِّز السلام والرحمة واللاعنف مع التركيز على قيم الحوار في الإسلام، والعفو والسلام للتأكيد على الرحمة والتسامح والتعايش السلمي كما هو متجذر في القرآن.

ويؤكد القرآن على كرامة البشر بغض النظر عن جنسهم أو حتى مكانتهم. قوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”. ولا يوجد في القرآن ما يشجِّع على التفجيرات الانتحارية، أو أعمال القتل المسعورة، أو قمع النساء. ولقد أسيء تفسير مصطلح “الجهاد” في الإسلام لإثارة الخوف في جميع أنحاء العالم. وإن الجهاد في معناه الحقيقي يمثل مسؤولية جميع المسلمين، أفرادًا ومجتمعًا، في اتباع إرادة الله وتحقيقها.

وتمت كتابة الترجمة الإنجليزية للشاعر الفارسي الكبير الشيخ سعدي الشيرازي على جدار مقر الأمم المتحدة ويمكن قراءتها على النحو التالي: “جميع البشر هم أطراف لنفس الجسد. فالله خلقهم من نفس الجوهر. فإذا تألم عضو واحد من الجسد تألم سائر الجسد. وإذا كنت غير مبالٍ بهذا الألم، وليس لديك أي مشاعر حزن، فلا يمكن أن تُدعى إنسانًا”. وهذا هو جوهر الإسلام.

ولقد أدّى التفكير المتعصب لمنظمة “دال خالسا” وهي منظمة سيخية، إلى ظهور مشاهد العنف على مر العقود. واليوم، فإن الموضوع الساخن هو العلاقات المتوترة بين كندا والهند، حيث تثير منظمة السيخ من أجل العدالة (SFJ) في كندا، تفكيرًا متطرفًا مشابهًا لعقلية القاعدة التي انفجرت في 11 سبتمبر. وفي عالَم حيث يهاجر أفراد من خلفيات دينية وعرقية وثقافية ولغوية متنوعة إلى بلدان مختلفة من أجل التعليم والعمل، فمن الحكمة أن تمتنع الدول التعددية عن دعم إنشاء دول ثيوقراطية جديدة. وغالبًا ما تؤدي مثل هذه السيناريوهات إلى تحديات جيوسياسية معقدة وانقسامات متعددة الأقطاب لكسر السلام والوئام بين هذه الدول.

فلابد من استئصال الأيديولوجيات المتطرفة الموجودة في أدبيات الوهابية، والإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية بالكامل من أجل خلق طريق لأيديولوجية شاملة متسامحة متجذرة في القيم التقليدية. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز القرن الحادي والعشرين السلمي والتقدمي، الخالي من شبح التطرف.

(الدكتور حفيظ الرحمن مؤلف وباحث إسلامي ومنظم لمؤسسة خسرو في نيودلهي)

مواد مقترحة